منهجية تحليل نازلة قانونية ونموذج تطبيقي لها

سيقتصر هذا العمل المتواضع على محورين أساسيين، الأول سنتحدث فيه عن منهجية تحليل النازلة، والثاني سنتطرق فيه إلى النموذج التطبيقي لكيفية تحليل النازلة.

منهجية تحليل نازلة قانونية


أولا: منهجية تحليل نازلة قانونية

مقدمة:

في مقدمة النازلة يتم بيان الإطار العام للنازلة دون الحسم في الحل النهائي لها، كأن يقال تتعرض النازلة… أو تناقش النازلة…أو تتناول النازلة…

عرض موجز للوقائع بأسلوبك وبشكل تسلسل زمني للوقائع والأحداث على الاقتصار على الوقائع المجدية، أي تلك التي من شأنها أن تؤثر على إيجاد الحل للنازلة.

عرض المشاكل القانونية المطروحة بحسب طرحها في النازلة أو السؤال.

بيان خطة معالجة النازلة (يستحسن تقسيم الموضوع إلى محورين وتجنب التقسيمات الفرعية التي ستخلق لك تشويشا في تحليل النازلة ).

العرض:

في هذه المرحلة يجب تحديد المفاهيم الأساسية للمصطلحات الواردة في النازلة، لتوضيح الصورة حول الوقائع القانونية.

يجب إعمال النصوص القانونية العامة والخاصة وربطها بوقائع النازلة.

بيان موقف الاجتهادات القضائية سواء كانت منسجمة أو مختلفة مع ربطها بالنازلة (إذا لم يتم إدراج الاجتهادات القضائية لا إشكال في ذلك).

الحل السليم للنازلة بحسب وجود نقطة قانونية وحيدة أو عدة نقط قانونية حسب الإشكالات المطروحة في النازلة وحسب التقسيم المعتمد، بحيث إذا كان المحور الأول مثلا يطرح جزء من إشكالية النازلة يجب تقدم الحل في نهاية هذا المحور نفس الشيء بالنسبة للمحور الثاني وفق الخطوات أعلاه وعلى النحو التالي:

بما أن… أو حيث الواقعة تضمنت…

بما أن…أو حيث ان الفصل…يقضي بأنه…

بما أن…أو حيث ان المادة تنطبق …إلخ.

في الأخير يمكن جمع حل أو حلول النازلة وفق أسلوب قانوني يشبه إلى حد ما الحكم القضائي.


ثانيا: النموذج التطبيقي لمنهجية تحليل نازلة قانونية

نازلة: 

زيد يملك كلب من نوع “بيدبول” ذات يوم ربطه بشجرة قرب منزله، إذ بعمرو قام بسرقة هذا الكلب، وفي طريقه أفلت هذا الكلب زمامه من يد عمرو فتوجه نحو أحد المارة فأصابه بجروح ورضوض بليغة أدت به بعد مدة قصيرة إلى الوفاة. 

 ماهي طبيعة المسؤولية التي سيتحملها المسؤول عن الضرر؟بصفتك محاميا تقدم إليك خالد أحد ورثة الضحية يطالبك برفع دعوى التعويض ضد المسؤول عن الضرر.ماهي المسطرة التي ستتبعها في المطالبة بالتعويض ضد المسؤول عن الضرر؟

  • مقدمة:
تطرح النازلة الموضوعة للنقاش مسألة غاية في التعقيد، ويتعلق الأمر بـإشكال ليس له بعد مدني صرف، لكن جدوره تمتد إلى القانون الجنائي.

فزيد لما ربط الكلب بشجرة وتم سرقته عنه من طرف عمرو، أصبح هذا الأخير يملك الحيازة المادية للحيوان، وبذلك تنتقل الحراسة من زيد المالك الأصلي إلى عمرو، بغض النظر على كون الحيازة مشروعة أم غير مشروعة، فتنتقل مع هذه الحراسة مسؤولية الحارس في كل ضرر أحدته هذا الحيوان طبقا لمقتضيات الفصلين 86 و 87 من قانون الالتزامات والعقود، كما أن الضرر الذي ألحقه الحيوان – حسب النازلة أعلاه – خلف ضرر جسيم أدى بوفاة الضحية، مما يكون معه تفعيل مقتضيات القانون الجنائي واردة خصوصا تلك المقتضيات التي تتعلق بالقتل الخطأ المنصوص عليها وعلى عقوبتها في الفص 432 من القانون الجنائي.

غير أننا قد نواجه إشكال في مثل هذه الحالة، يتلخص في طبيعة المسؤولية التي قد يتابع بها المسؤول عن الضرر؟ تم المسطرة التي سيتبعها خالد – أحد ورثة الضحية – لجبر الضرر؟

للوقوف عند الإشكالات التي تطرحها النازلة لا مناص من تقسيم الموضوع إلى محورين:

- المحور الأول : طبيعة المسؤولية المثارة في النازلة
- المحور الثاني: المسطرة المتبعة للمطالبة بالتعويض وجبر الضرر

  1. المحور الأول : طبيعة المسؤولية المثارة في النازلة

إن الحديث عن طبيعة المسؤولية الواردة في النازلة أعلاه، يستلزم الأمر رصد كل خطأ أتى به المسؤول عن الضرر، سيان كان هذا الخطأ عمدي أو كان بالإهمال.

يعتبر زيد المالك الأصلي للحيوان، فهل ستكون مسؤوليته مثارة في هذه النازلة؟

فزيد سوف لن تتحقق مسؤوليته والحالة هذه وإن كان المالك الأصلي للحيوان، فبالرجوع إلى مقتضيات الفصل 86 من ق.ل.ع  ينص على أن ” كل شخص يسأل عن الضرر الذي تسبب فيه الحيوان  الذي تحت حراسته …” إذا حسب مقتضيات هذا الفصل قيام مسؤولية حارس الحيوان رهين بوجود الحيوان تحت الحراسة، وتستلزم هذه المسؤولية شرطين:

الشرط الأول: أن يتولى شخص حراسة الحيوان، ويقصد بالحراسة هنا السلطة الفعلية في الرقابة والتوجيه للحيوان، والتي انتقلت إلى عمرو، حيث تحققت حيازته المادية للحيوان ، بغض النظر عن كون هذه الحيازة انتقلت بشكل غير قانوني (السرقة كما هو الحال في نازلتنا( أو قانوني فالأمر يستوي في ذلك، ويتحمل حارس الحيوان حينئذ مسؤولية الضرر الذي يلحقه الحيوان بالغير، وبذلك تكون مسؤولية زيد مستبعدة في هذه النازلة، وتكون قائمة في حق عمرو.

الشرط الثاني: يجب أن يحدث الحيوان بفعله ضرر للغير، وهو الأمر الذي تحقق في النازلة.

ولما كانت مسؤولية حارس الحيوان مسؤولية قائمة على خطأ مفترض في جانب الحارس، فإنه من الصعوبة بمكان في نازلتنا هذه أن يدفع عمرو المسؤولية على نفسه لاعتبارين:

الاعتبار الأول: لا مجال للتمسك بمقتضيات الفصل  95 من ق.ل.ع الذي ينص على أن ” لا محل للمسؤولية المدنية في حالة الدفاع الشرعي أو إذا كان الضرر قد نتج عن حدث فجائي أو قوة قاهرة لم يسبقهما أو يصطحبها فعل يؤاخذ به المدعى عليه ”.

الاعتبار الثاني: كون حيازة عمرو للحيوان حيازة غير قانونية، حيث انتقلت إليه عن طريق السرقة.

إذا من خلال ما سبق فعمرو يتحمل مسؤولية الضرر الذي ألحقه الحيوان بالغير، ومدار هذه المسؤولية مقتضيات الفصل 86 من ق.ل.ع كما أن الضر الذي ألحقه الحيوان بالغير نتج عنه وفاة الضحية مما يمكن القول بأن المسؤولية الجنائية أيضا واردة في حق عمرو تطبيقا لمقتضيات الفصل 432 من القانون الجنائي الذي ينص على أن ” من ارتكب، بعدم تبصره أو عدم احتياطه أو عدم انتباهه أو إهماله أو عدم مراعاته النظم أو القوانين، قتلا غير عمدي، أو تسبب فيه عن غير قصد، يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى خمس سنوات وغرامة من مائتين وخمسين إلى ألف درهم”.

وحيث إن الحيوان تسبب بجروح ورضوض أدت بموت الضحية بعد مدة قصيرة من وقوع الضرر، وحيث إن عمرو هو الحارس للحيوان أثناء وقوع الضرر، بحيث انتقلت إليه حراسة الحيوان عن طريق السرقة، فإن عمرو يكون قد تسبب بقتل الضحية بالخطأ في التوجيه والحراسة للحيوان الذي في عهدته، مما يتعين عليه تحمله المسؤولية الجنائية المنصوص عليها في الفصل أعلاه.

أما جريمة السرقة، فيمكن أن يثيرها زيد ضد عمرو ولا مصلحة لخالد المدعي بالتمسك بها في هذه النازلة.

وبهذا تكون طبيعة المسؤولية المثارة في النازلة ضد عمرو، مسؤولية تتأرجح بين التقصيرية – مدارها مسؤولية حارس الحيوان الفصل 86 – والجنائية في إطار الفصل 432 من ق.ج.

وبذلك نتساءل عن المسطرة المتبعة لجبر الضرر الذي أصاب دوي الضحية؟


  1. المحور الثاني: المسطرة المتبعة للمطالبة بالتعويض وجبر الضرر

إن قيام مسؤولية حارس الحيوان رهين بتوفر شرطان، أولهما أن يتولى شخص حراسة حيوان، وقد سبق وأن أشرنا أن هذه الحيازة لا يشترط فيها أن تكون قانونية، وتتحقق المسؤولية ولو كانت الحيازة غير قانونية، كما لو تمت الحيازة عن طريق الاستيلاء أو السرقة كما هو الحال في النازلة أعلاه، وثانيهما أن يحدث الحيوان بفعله ضرر للغير، ومعنى هذا أن يكون فعل الحيوان إيجابيا، ولا يشترط في الفعل الإيجابي أن يكون الحيوان قد اتصل اتصالا ماديا بالمضرور، بل يكفي أن يكون هو السبب الإيجابي في إحداث الضرر، فلو أن حيوان مفترس أفلت زمامه من يد حارسه وخرج إلى الطريق العام فذعر شخص من المارة فسقط وأصيب بجروح ورضوض دون أن يمسه الحيوان، كان للمضرور أن يعتبر حارس الحيوان مسؤولا عن الضرر، ناهيك عن النازلة التي نحن بصدد مناقشتها التي أحدث فيها الحيوان فعلا إيجابيا أدى بوفاة الضحية.

وهي كلها شروط قائمة في النازلة مما يحق معه لخالد رفع دعوى ضد المسؤول عن الضرر.

بالرجوع إلى مقتضيات الفصل 28 من قانون المسطرة المدنية، فالاختصاص في دعاوى التعويض يرجع إلى المحكمة الابتدائية التي وقع فيها الفعل المسبب للضرر أو موطن المدعى عليه باختياره، وبهذا يكون الخيار لخالد في رفع الدعوى إما أمام المحكمة الابتدائية الموجودة في الدائرة التي وقع بها الفعل المسبب للضرر، أو أمام محكمة موطن المدعى عليه عمرو.

وترفع الدعوى بمقال مكتوب وموقع من طرف المدعي أو وكيله طبقا للفصلين 31 و 32 من ق.م.م، وحسب الفصل 3 من ذات القانون فإنه ” يتعين على القاضي أن يبت في حدود طلبات الأطراف ولا يسوغ له أن يغير تلقائيا موضوع أو سبب هذه الطلبات ويبت دائما طبقا للقوانين المطبقة على النازلة ولو لم يطلب الأطراف ذلك بصفة صريحة”.

فكما هو مبين من الفصل المذكور فالمحكمة ملزمة بالبت دائما في طلبات الأطراف طبقا للقوانين الجاري بها العمل ولو لم يطلب الأطراف ذلك صراحة، وعليه فإن مفهوم القوانين في نازلتنا يشمل كل من قانون الالتزامات والعقود وخاصة الفصل 86 منه، والقانون الجنائي خاصة الفصل 432 منه الذي يحدد عقوبة القتل الخطأ، والمادة 32 من قانون المسطرة الجنائية التي تعتبر النيابة العامة طرفا أصليا في الدعوى العمومية والمادة 10 من ذات القانون الذي ينص على مبدأ الجنائي يعقل المدني، وأخيرا قانون المسطرة المدنية خاصة الفصول 1 و3و9 منه.

وهكذا فمن حيث إلزامية تطبيق القانون من طرف القاضي، فإن هذا الأخير مجبر على إثارة وتفعيل مقتضيات الفصل 86 من ق.ل.ع الذي ينص على أنه ”كل شخص يسأل عن الضرر الذي تسبب فيه الحيوان الذي تحت حراسته …”

وبما أن الأمر متعلق بدعوى المطالبة بالتعويض جراء ضرر نتج عنه وفاة الضحية، فإن تدخل النيابة العامة في مثل هذه الدعاوى يعتبر أمرا جوهريا لكونها طرفا رئيسيا حسب مقتضيات الفصل 9 من قانون المسطرة المدنية والمادة 32 من قانون المسطرة الجنائية. وعلى ذلك فإن إدخال النيابة العامة في مثل هذه الحالة سيترتب عنه حسب المادة 10 من قانون المسطرة الجنائية إيقاف الدعوى المدنية إلى حين صدور حكم نهائي في الدعوى العمومية وهو ما يعبر عنه بمبدأ ” الجنائي يعقل المدني”.

وينتج عن ذلك كون الحكم الذي سيصدر في الدعوى العمومية بإدانة عمرو سندا للمطالبة بالتعويض أمام المحكمة المدنية.


من إعداد: الطالب الباحث نورالدين تحسين

خريج ماستر المنازعات والمهن القانونية بأكادير

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-